ابن ميثم البحراني

109

شرح نهج البلاغة

فاستعار لها لفظها ونسبته لها إلى إبليس لاستقذاره إيّاه واستكراهه لصورتها أو لأنّها تشوّشه في الصلاة ، وروى أبو عليّ بن مسكويه : أنّه نحّاها بقصبته وقال : لعنك اللَّه وذحة من وذح الشيطان ، ونقل بعض الشارحين ودجة بالدال والجيم ، وكنّى بذلك عن كونه سفّاكا للدماء قطَّاعا للأوداج ، وفيه بعد . 114 - ومن كلام له عليه السّلام فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا - ولَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا - تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ - ولَا تُكْرِمُونَ اللَّهً فِي عِبَادِهِ - فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ - وانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ أقول : مدار هذا الفضل على التوبيخ بالبخل بالأموال والأنفس وفي قوله : للَّذي رزقها وخلقها . استدراج حسن فإنّ البخيل إنّما يستقبح بذله لملاحظة أمرين : أحدهما : خوف الفقر ، والثاني : أنّه كثيرا ما يتوهّم الأشحّاء أن لا مستحقّ للمال إلَّا هم فيكون ذلك وأمثاله عذرا لهم مع أنفسهم في عدم البذل ، وكذلك الشحيح بنفسه إنّما يشحّ بها خوف الموت وأن لا يكون له من هذه الحياة عوض يساويها فإذا علم أنّ بذل المال لرازقه إيّاه بعد أن يكون حسن الظنّ به زال عذره في البخل لعلمه بتعويضه خيرا منه وبأنّه أحقّ منه . إذ كان المملوك وما يملك لمولاه ، وكذلك يزول عذر الشحيح بنفسه لعلمه أنّ الطالب لبذلها هو الأحقّ بها وأنّه القادر على أن يوصله إلى ما هو خير له من هذه الحياة الفانية ، وفي انقطاع ما يتوهّمونه عذرا في البخل بالمال والنفس يكون سهولة بذلهما في سبيل اللَّه . وقوله : تكرمون باللَّه على عباده . أي تفخرون وتشرفون على الخلق بأنّكم أهل طاعة اللَّه وعباده . ثمّ لا تكرمونه فيما يدعوكم إليه ولا تجيبون داعيه في إكرام عباده والالتفات إلى فقرائهم باليسير ممّا رزقكم . ثمّ أمرهم باعتبار نزولهم منازل الدارجين ، وانقطاعهم عن أوصل